المحللين

النفط العراقي إلى أين؟ .. معركة النفط بين بغداد وأربيل

list سبتمبر ٢١, ٢٠١٤ | Views 93

لهب عطا عبدالوهاب*

في خطوة تشكل تحدياً صارخاً للحكومة الاتحادية في بغداد، رست ناقلة تحمل شحنة نفط خام من كردستان قرب ميناء عسقلان قبالة الشواطئ الاسرائيلية عبر ميناء جيهان التركي في ثالث شحنة نفط يتم نقلها عبر خط الانابيب الخاص بكردستان.

 وتسبب خط الأنابيب الجديد الذي بني لتخطي الحكومة العراقية وقنواتها المركزية بنزاعات عدة بين أربيل وبغداد بشأن حقوق البيع.

 وهددت الحكومة العراقية سابقاً بملاحقة من يشتري النفط عبر خط انابيب كردستان. وكانت السلطات العراقية رفعت في شهر مايو (ايار) 2014 دعوى ضد تركيا لدى "هيئة التحكيم الدولية" International Court of Arbitration. 

أثر إعلان أنقرة البدء بتصدير نفط أقليم كردستان العراقي الى الأسواق العالمية من دون اذن بغداد. وتتهم الحكومة الاتحادية إقليم كردستان ببيع النفط خارج إطار القانون العراقي وتعتبره تهريباً وسرقة لثروات العراق. وتدور في رحاها اليوم معركة ثلاثية الابعاد بين الحكومة الاتحادية من ناحية وكل من إقليم كردستان وتركيا من جانب آخر حول صادرات نفط الشمال. وترفض الحكومة العراقية قيام الاقليم الكردي بتصدير النفط على اعتبار ان ذلك يقع حصراً ضمن السلطات الاختصاصية لمؤسسة تسويق النفط العراقية الحكومية، الجدير بالذكر ان مخزونات نفط إقليم كردستان العراق في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط بلغت 2.8 مليون برميل ويتدفق النفط عبر خط انابيب كردستان مباشرة (متجاوزة بذلك الخط العراقي الحكومي) بمعدل 100 ألف برميل يومياً.

الاستقلال الكردي: 

إن ما يجري حالياً على صعيد النفط بين العراق وكردستان يوحي بأن إقليم كردستان يتجه الى الاستقلال، وما اعلان القادة الكرد نيتهم اجراء استفتاء "لتقرير المصير" لهو ابلغ دليل على هذا التوجه.

 بيد ان العديد من المراقبين يجمعون على ان إعلان "الاستقلال" يواجه رفضاً شديداً من دول الجوار (تركيا وايران)؛ اذ سيفضي ذلك الى إذكاء النزعات الانفصالية للاكراد فيها، كما ان الدولة المزمع إعلانها ليس لديها أي منفذ بحري ما يهدد بخنق صادراتها. ويذهب البعض ان السيناريو الاكثر قبولا هو قيام دولة "تحاكي" الدولة التركية شمال قبرص، وهي دولة معزولة تماماً ومنبوذة دولياً اذ لم يعترف بها رغم مرور 40 عاماً ونيف على ولادتها سوى "المحتل" التركي.

ملاحظات ختامية:

لعل من أهم التداعيات التي خلفها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف اختصارا بـ" داعش" والتي تنبئ بولادة مشرق عربي جديد الملامح، هو البلبلة والاضطراب التي تسود أسواق النفط؛ إذ يخامر المتعاملين فيها درجة كبيرة من عدم اليقين Uncertainty لا سيما بعد سقوط محافظتي نينوى وصلاح الدين – مسقط رأس الرئيس الراحل صدام حسين – بيد "الثوار" ومحاصرتهم بمدينة "بيجي" التي تضم أكبر مصفاة للنفط في العراق.

إن حالة عدم اليقين هذه تزيد من الضغوط على أسعار النفط لا سيما مع دخول نصف الكرة الغربي فصل الصيف، والذي يزداد فيه الطلب على الغازولين مع بدء ما يعرف بـ "موسم السياقة" في الولايات المتحدة –أكبر مستهلك للنفط في العالم والبالغ 18 مليون برميل يوميا والذي يتزامن مع بدء العطلة الصيفية؛ حيث شغف العوائل الاميركية هناك بالسيارات الفارهة (الرباعية الدفع) ذات الاستهلاك الكبير. في المقابل تشهد هذه الفترة تراجع الطلب على المشتقات لا سيما وقود التدفئة.

بيد أنه لا بد لنا من التشديد على ان إنتاج النفط العراقي وصادراته تتركز جلها في جنوب البلاد لا سيما في محافظة البصرة؛ حيث الحقول المنتجة العملاقة (الرميلة والقرنة والزبير) التي ما تزال تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار؛ إذ لم تشهد اي توقف ذي شأن بل إن موانئها وأرصفتها البحرية تصدر يوميا اكثر من 2.2 مليون برميل او ما يعادل 80 % من إجمالي صادراتها.

وفي حال توقف الإنتاج العراقي كليا – وفق أحد السيناريوهات المتداولة – سيعني ذلك فقدان الأسواق لكميات من النفط الخام يصعب تداركها لا سيما مع التوقف شبه التام للإنتاج الليبي ناهيك عن مشاكل الإنتاج في نيجيريا المنتج الأكبر للنفط في القارةالسوداء – والتي تعاني هي الأخرى من حركة تمرد لمتشددين إسلاميين " بوكوحرام " – وفنزويلا.

وفي هذه الحالة ستلقى المسؤولية على عاتق الدول النفطية الخليجية وبالذات السعودية والكويت ودولة الإمارات لما تتمتع به من طاقات إنتاجية فائضة Spare capacity بما يمكنها من تعويض النقص في الإمدادات في فترة زمنية قصيرة. 

ومن الخيارات الأخرى المتاحة اللجوء الى مخزون الطوارئ للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية IEA، بما في ذلك تفعيل الولايات المتحدة لمخزونها الاستراتيجي والذي يعد الأكبر عالميا عند 700 مليون برميل.

ان الضبابية التي لفت المشهد العراقي في ظل غياب الاجماع الوطني بما يفضي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة الاطياف والاثنيات المتصارعة تحت خيمة المواطنة وبانتظار "طائف جديد" للم شمل الفرقاء المتخاصمين، ستبقي أسواق النفط عرضة للتقلبات الحادة لا سيما بعد اقتراب "داعش" من المراكز النفطية الرئيسية في الشرق الاوسط، ما قد يعرض التدفق الآمن للامدادات للخطر.

ويصب التطور الاخير والمتمثل في احتلال "داعش" للمعابر الحدودية بما فيها معبر "طريبيل" الحدودي والذي يبعد 350كم شرق العاصمة الاردنية عمان – ليعزز من الهواجس عن مدى سلامة الامدادات، وهو أمر قد تكون له تداعيات لاتحمد عقباها على الاقتصاد الاردني الذي تربطة بالعراق اتفاقية لتصدير 10 الى 15 ألف برميل يومياً أو ما يعادل 10 % من الاستهلاك الاجمالي للمملكة وبأسعار تفضيلية؛ إذ سيترتب على ذلك توقف عبور الصهاريج ما يجعل الأردن تعتمد بالكامل على الجارة المملكة العربية السعودية لتلبية حاجاتها النفطية، وبأسعار السوق العالمية، ما سيفاقم من العجز في الحساب الجاري من ميزان المدفوعات. وهناك خشية من أن تؤدي هذه التطورات إلى إعادة النظر في المشروع النفطي الاستراتيجي المزمع إنشاؤه لربط البلدين بشبكة أنابيب تنطلق من البصرة مروراً بمدينة "الحديثة" التي تقع حالياً تحت سيطرة متمردي داعش – وصولاً إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر.

وجاء احتلال تنظيم الدولة الاسلامية لحقلي عين زالة وبطمة النفطيين –الواقع ضمن قضاء سنجار ذي الاغلبية الايزيدية الى الغرب من مدينة الموصل– والذي يقدر انتاجهما باكثر من 20 ألف برميل يومياً بعد انسحاب قوات البيشمركة منها في أوائل شهر أغسطس (آب) 2014 ليعمق من هذه الهواجس. ويوضح الشكل المرفق ادناه المعارك المحتدمة في شمال العراق بين الاكراد وتنضيم داعش. 

وقد انتهت الدراسة إلى عدد من التوصيات لعل أبرزها:

لا بد للحكومة المنتخبة الجديدة من اعادة النظر في العديد من المواد الدستورية لا سيما المواد المتعلقة بالنفط والغاز بما يفضي الى ازالة "اللبس" بين صلاحيات الحكومة الاتحادية وصلاحيات الاقليم.

وتشريع قانون للثروة الهيدروكربونية؛ حيث هناك مسودة قانون للنفط والغاز كان قد أقره مجلس الوزراء العراقي العام 2007 بيد انه ما يزال حبيس الادراج. ان تشريع قانون عصري على قدر كبير من الشفافية سيعمل على النهوض بالصناعات البترولية بكافة جوانبها – التي عانت من الاهمال لعقود عديدة خلت بسبب الحروب والعقوبات الاقتصادية.

ان القلاقل التي تعصف بالبلاد تجعل من الوصول الى الهدف المعلن وهو زيادة الانتاج الى 12 مليون برميل يومياً العام 2017 ليضعها على قدم المساواة مع الانتاج السعودي – يبدو اليوم اقرب الى السراب. ولعل الارقام التي توفرها وكالة الطاقة الدولية والتي تشي من ان الانتاج يمكن ان يصل الى 6 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2020 يبدو أكثر واقعية، كما انه ينسجم مع متطلبات السوق العالمية من عرض وطلب.

إن التوصل الى حكومة توافقية تحظى بالاجماع الوطني مع تمثيل متوازن لكافة المكونات، شرط لبقاء العراق كما نعرفه، وبخلاف ذلك فإن العراق بشكله الحالي مهدد بالزوال.

خلاصة القول، إن ما يحصل اليوم في العراق من أحداث هو "تحدي وجودي" يهدد بانفراط عقده وعقد المنطقة برمتها.

إشعار هام:

وجهات النظر والآراء الواردة هنا تعبر عن آراء كاتبيها / المشاركين ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أسواق اليوم أو أي شخص يعمل بإسمها ولايتحمل مسؤولية المعلومات الواردة فيها. المحتوى المنشور هنا تم تحريره ليتوافق مع سياسات وأحكام وشروط أسواق اليوم . الآراء والتحليلات ليست ضمانا للقيام بعملية إستثمار أو تداول حالياً أو فى المستقبل وينبغى عدم الإعتماد عليها وحدها فقط في عقد اى صفقة. كل إستثمار مهما كان جذاباً ومغرياً فهو يحتوى على مخاطر ويجب على المستثمر ان يقوم بالبحوث الخاصة بهذا الإستثمار وأن يكون مدركاً للمخاطر عند إتخاذ قرار الإستثمار أو التداول. أسواق اليوم لا تتحمل أية مسؤولية عن أي خسائر تجارية قد تتكبدها نتيجة لاستخدام هذه البيانات الوارده على موقع أسواق أليوم.